ما كان حديثا يفترى بل كان فتحاً مبيناً ، ففي مثل هذا اليوم من السن
الثامنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أذن الله تبارك وتعالي لنبيه صلى الله عليه وسلم بفتح مكة بعد أن نقضت قريش عهدها مع المسلمين وقامت بالإعتداء على قبيلة خزاعة التي كانت في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وهم يصلون مخالفة بذلك شروط صلح الحديبية ، وما هي إلا أيام من ذلك العدوان القرشي الغاشم على قبيلة خزاعة حتى ارتجت جنبات المسجد في المدينة عند الفجر على صيحة عمرو بن سالم الخزاعي يستنجد بالنبي صلى الله عليه وسلم لنصرتهم ويقول : يارب إني ناشد محمدا * حلف أبيه وأبينا الأتلدا
قد كنتموا ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ينزع يدا
فانصر رسول الله نصرا أبدا * وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا * فهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا نصرت إن لم أنصركم بما انصر به نفسي و أمر بالتجهزللخروج لمكة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل رمضان في عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة حتى وصلوا إلى مشارفها وعسكروا على أطرافها وأوقدوا نيرانا جعلت أهل مكة يقولون إن محمداً قد جاءهم بجنود لا قبل لهم بها فقذف الله في قلوبهم الرعب وجاء أبو سفيان وأذن له العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فدخل وأعلن إسلامه ثم أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الأمان وأمره بأن ينادي في أهل مكة ويقول : من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بألا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، وبدأ الزحف المبين ومرت كتائب الإسلام بأبي سفيان وهم يحيطون بالنبي صلى الله عليه وسلم وكأنه صلى الله عليه وسلم شمس في الأرض تعلوها شمس السماوات وهنا نجد أنفسنا امام مشهدين عظيمين ، المشهد الأول يعود بذاكرتنا إلى لحظة خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ليلة الهجرة وهو ينظر إلى مكة ويقول : والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلى قلبي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت فأنزل الله تعالي عليه قوله ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) أما المشهد الثاني فهو ذلك اليوم الذي تحقق فيه الوعد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، لكن دخوله لم يكن كدخول القادة المنتصرين الذين يدخلون رافعوا الرؤوس في زهو وخيلاء بما حققوه من نصر على الأعداء لكنه صلى الله عليه وسلم دخل مطأطيء الرأس تواضعاً لربه جل في علاه وشكراً له لإكرامه بذلك الفتح العظيم ويصل النبي صلى الله عليه وسلم للبيت الحرام ويستلم الركن بمحجن في يده ويطوف بالبيت سبعا ثم يأمر بمفاتيح الكعبة ففتحت له فدخلها ثم وقف على بابها خطيباً فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالأباء الناس من آدم وآدم من تراب وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ، يا معشر قريش ماتظنون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم فقال صلى الله عليه وسلم : لا أقول لكم إلا كما قال أخي يوسف لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم إذهبوا فأنتم الطلقاء ، فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في مشهد لا ولم يتكرر على مر الزمان ، فجميع القادة دائما يتخلصون من أعدائهم بإعدامهم بعد هزيمتهم ولو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم ما لامه أحد لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي نموذجا فريدا في العفو عند المقدرة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قائداً عسكريا فحسب بل كان نبياً مرسلاً أرسله ربه رحمة للعالمين . نسأل الله تعالي أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا حتى يورثنا سبحانه علن ما لم نكن نعلم آمين يارب العالمين وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وأًصحابه أجمعين

