إعداد وتقديم إيناس أبو سيف
( الحلقة ٧٩)
مازلنا فى الخواطر حول قوله تعالى:
(الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك هم الخاسرون)
ونأتي للصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى:(ويفسدون فى الأرض)نقول:كل مافي الكون مخلوق على نظام (قدر فهدى)أى كل شئ له هدى لابد أن يتبعه ولكن الإنسان فى مجال الإختيار أفسد قضية الصلاح فى الكون
-ومن رحمة الله أنه جعل فى كونه خلقا يعمل مقهورا ليضبط حركة الكون الأعلى
فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الانس والجن يسير وفق نظام دقيق لماذا؟
لأنه يسير بلا اختيار له
-والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكى يعتدل ميزان حياتنا فلنحكم أنفسنا بمنهج الله كما ان الكون المقهور محكوم بمنهج الله
فليس معنى الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله لأن الله له صفة القهر فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب وليس عن قهر
فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله اكثر فتقيد نفسك بمنهج الله
إذا الاختيار لم يعط لنا لنفسد فى الأرض ولكنه أعطى لنا لنأتى الله سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين
-ولذلك فكل منا مختار فى أن يُؤْمِن أو لا يُؤْمِن
وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى فى قلوبنا
ولكن الانسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتى الله عن حب فينال الجزاء الأعظم أخذه ليفسد فى الأرض
-والفساد أن تنقل مجال افعل ولا تفعل فتضع هذه مكان هذه فينقلب الميزان أى أنك فيما قال الله فيه افعل لا تفعل وفيما قال لا تفعل تفعل
فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا لماذا؟
لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس فكل واحد سيضع قاعدة له وكل واحد لن يفعل ما عليه فيحدث تصادم فى الحياة
-وكل فساد يشكل قبحا فى الوجود فهب انك تسير فى الطريق وترى عمارة مبنية حديثا قد تسربت المياه من مواسيرها عندما ترى ذلك تتأذى لأن هناك قبحا فى الوجود فى عدم أمانة إنسان فى عمله
إذا فحين يفسد عامل واحد بعدم الإخلاص فى عمله يفقد الكون نعمة يحبها الله فى أن ترى الشئ الجميل فتقول:الله
فكل إنسان غير امين فى عمله يفسد فى الكون وكل إنسان غير امين فى خلقه يفسد فى الكون ويعتدى على حرمات الآخرين وأموالهم وهذا يجعل الكون قبيحا فلا يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله
-لقد أراد المعتدى أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا ولكنه أحدث فسادا فى الكون
كذلك عندما يغش التاجر الناس وعندما يكتسب الانسان المال بالنهب والسرقة فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال فى الوجود فهو أخذ الحسرة بالفساد فى الأرض
-والفساد فى الأرض أَن تخرج الشئ عن حد اعتداله فتصرف فى شهواتك وتسرف فى أطماعك وتسرف فى عقابك للناس وتسرف باعتدائك على حقوق الغير والفساد فى الأرض أن يوجد منهج مطبق غير منهج الله
-إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلا من السعادة والأمن
-إن ما نراه الآن من شكوى الناس علامة على الفساد
لأن معناها أن الناس تعانى ولا أحد يتحرك ليرفع أسباب هذه الشكوى ولن يستقيم أمر هذا الوجود ويتخلص من الفساد الا إذا حكمنا منهج لا هوى له والذى لا هوى له هو خالق البشر واضع ميزان الكون
-وأول مظاهر الفساد أن يوكل الأمر الى غير أهله لأنه اذا أعطى الأمر الى غير أهله فانتظر الساعة كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"اذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"رواه البخاري عن أبى هُريرة
لماذا؟
لأن المجتمع حينئذ يكون مبنيا على النفاق واختلال الأمور لا على الاتقان والاخلاص فالذى يجيد النفاق هو الذى يصل إلى الدرجات العلاوالذى يتقن عمله لا يصل إلى شئ وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون الأمور بدون علم
-والفساد فى الأرض هو أن يضيع الحق وتضيع القيم ويصبح المجتمع غابة كل إنسان يريد ان يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه أنه لا فائدة من العمل فيتحول المجتمع كله الى مجموعة من غير المنتجين
-والفساد فى الأرض هو أن نجعل عقولنا هى الحاكمة فلا نتأمل ميزان الكون الذى خلقه الله وانما نمضى بعقولنا ونخطط فتقطع الأشجار ونرمى مخلفات المصانع فى الأنهار فتفسدها ونأتي بالكيماويات السامة ترش بها الزرع أو مجارى المياه والأنهار كما يحدث الآن فنملؤها سما ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ الكون وتفسد مياه الأنهار ولا تصبح صالحة للشرب ولا الرى
وطبقة الأوزون قد أصابها الضرر الواضح الذى يعرض حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة
ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج
-والفساد فى الأرض هو أن ينتشر الظلم وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهى من الشقاء
والفساد فى الأرض هو أن تضيع الأمانة فتفسد المعاملات بين الناس وتضيع الحقوق
-هذه هى بعض أوجه الفساد فى الأرض
والله سبحانه وتعالى قد وضع قانونا كليا هو منهجه ليتعامل به الناس ولكن الناس تركوه ومشوا يتخبطون فى ظلام الجهل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)رواه الحاكم عن ابن عباس
وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس
وغد بإذن الله تعالى سنكمل حكم الحق تبارك وتعالى على الفاسقين المبتعدين عن منهج الله من خلال الخواطر فى باقى الآية

