"لازم ننجز بسرعه" فلسفه إدارة الازمه قبل وقوعها
قناة السويس تاثرت اقتصاديا من تداعيات الحرب الايرانيه الامريكيه
المشروعات القوميه حائط ضد الازمات الاقتصاديه
أسامة عقبي
قال اللواء دكتور أحمد ونيس، مدير معهد المخابرات الحربية الأسبق، إن ما شهدته مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 لم يكن مجرد مرحلة انتقال سياسي، بل كان مشروع دولة كامل انطلق من عقيدة راسخة: "مصر أولًا"، وهي ذاتها العقيدة القتالية الأولى للجيش المصري.
وأضاف ونيس، قائلا، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان يردد منذ اللحظة الأولى: *"لازم ننجز بسرعة"*، مشيرًا إلى أن هذه الجملة لم تكن شعارًا إعلاميًا، بل كانت "رؤية استباقية لمستقبل الإقليم، أدركت مبكرًا أن المنطقة مقبلة على اضطرابات وحروب، وأن الدولة التي لا تبني ولا تحدث جيشها في زمن السلم، لن تستطيع الصمود في زمن الحرب".
وأوضح اللواء ونيس أن هذه الرؤية قامت على فهم عميق لمفهوم الأمن القومي، الذي "لا يتغير ولا يتبدل، ويرتكز على 5 أركان ثابتة: اقتصادي، وسياسي، وعسكري، ودبلوماسي، وديموغرافي". وتابع: "من هنا جاءت المشروعات القومية الكبرى، وتحديث الجيش، وتطوير المصانع الحربية، وضبط الحدود، وكلها مسارات متوازية كان هدفها واحد: حماية الدولة المصرية وقرارها المستقل".
وأثبتت السنوات، بحسب ونيس، صحة هذه الرؤية، خاصة مع اشتعال الحروب في الإقليم، وآخرها التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية، والتي أثرت على إيرادات قناة السويس دون أن تمس الأمن القومي العسكري لمصر، "لأننا بنينا حصنًا من عناصر القوة الشاملة قبل أن تقع الأزمة".
بدأ اللواء دكتور أحمد ونيس حديثه بالتأكيد على أن "العقيدة القتالية الأولى للجيش المصري منذ نشأته هي حماية أرض مصر ومصالحها وشعبها قبل أي اعتبار آخر".
وأضاف: "بعد 30 يونيو، لم يقتصر الأمر على المؤسسة العسكرية فقط، بل تحولت هذه العقيدة إلى فلسفة حكم. فكل قرار اتخذه الرئيس السيسي، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو السياسي، كان يمر على ميزان واحد: هل هذا يقوي مصر؟ هل يحمي قرارها؟ هل يؤمن مستقبل أجيالها؟".
وأشار إلى أن هذا المنطق هو ما فسر حجم المشروعات القومية غير المسبوقة، وحجم صفقات التسليح، وحجم التحرك الدبلوماسي. "لم تكن هذه تحركات عشوائية أو رفاهية، بل كانت تطبيقًا عمليًا لعقيدة مصر أولًا، في محيط إقليمي يغلي بالصراعات".
"لازم ننجز بسرعة": فلسفة إدارة الأزمة قبل وقوعها*
توقف اللواء ونيس عند الجملة التي كررها الرئيس كثيرًا: "لازم ننجز بسرعة". وقال: "كثيرون فسروها في البداية على أنها دعوة للعمل فقط، لكن الحقيقة أنها كانت قراءة استخباراتية واستراتيجية للمستقبل".
وتابع: "الرئيس كان يرى أن المنطقة تتجه إلى الفوضى، وأن الزمن لن ينتظرنا. فإما أن ننجز البنية التحتية والجيش والمشروعات الآن، وإما أن نجد أنفسنا في قلب العاصفة دون سلاح ولا اقتصاد ولا طرق ولا مدن جديدة".
وأضاف: "السرعة هنا لم تكن تسرعًا، بل كانت سبقًا زمنيًا. سبقنا الأزمة، ولذلك عندما جاءت الأزمات: حرب غزة، الحرب في السودان، التوتر في ليبيا، وآخرها الحرب الأمريكية الإيرانية، كانت مصر جاهزة بالبنية والجيش والقرار".
و شرح اللواء ونيس مفهوم الأمن القومي، وقال: "الأمن القومي المصري يقوم على 5 عناصر للقوة الشاملة، لا تتغير ولا تتبدل:
*اقتصادي*: دولة قوية اقتصاديًا لا تجوع ولا تخضع.
*سياسي*: دولة مستقرة سياسيًا لها هيبة وقرار.
*عسكري*: جيش حديث وقادر ورادع.
*دبلوماسي*: دور إقليمي ودولي مؤثر.
*ديموغرافي*: شعب ومساحة وعمران يستوعب الزيادة السكانية".
وأكد أن "كل مشروع تم تنفيذه بعد 2014 كان يخدم واحدًا أو أكثر من هذه الأركان الخمسة. قناة السويس الجديدة تخدم الاقتصاد، العاصمة الإدارية تخدم الديموغرافيا والسياسة، تحديث الجيش يخدم العسكري، استعادة دور مصر في أفريقيا والعالم العربي يخدم الدبلوماسي".
المشروعات القومية: درع الاقتصاد والديموغرافيا*
فصّل اللواء ونيس الحديث عن المشروعات القومية، ووصفها بأنها "الحصن المدني للدولة".
"أولًا، قناة السويس الجديدة، لم تكن مجرد مجرى ملاحي، بل كانت مضاعفة للدخل السيادي للدولة، وزيادة في القدرة الاستيعابية، ورسالة للعالم أن مصر تتحكم في شريان ملاحي عالمي".
"ثانيًا، شبكة الطرق والكباري. قبل 2014 كانت مصر تعاني من اختناقات مرورية تكلف الاقتصاد مليارات. اليوم أصبحنا نربط سيناء بالدلتا، والصعيد بالبحر الأحمر، في زمن قياسي. هذا يعني نقل بضائع أسرع، وتكلفة أقل، وجذب استثمار أكبر".
"ثالثًا، العاصمة الإدارية ومدن الجيل الرابع مثل العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة. مصر كان عدد سكانها يتزايد على 7% من مساحتها فقط. كان لابد من خلق عمران جديد يستوعب 100 مليون مواطن قادم، ويخلق فرص عمل، ويخفف الضغط عن القاهرة".
وخلص إلى أن "هذه المشروعات هي الترجمة الاقتصادية والديموغرافية لعقيدة مصر أولًا".
تحديث الجيش: من تنويع السلاح إلى قواعد الاتجاهات الأربعة*
انتقل اللواء ونيس للحديث عن الشق العسكري، وقال: "بالتوازي مع البناء المدني، كان هناك بناء عسكري ضخم".
وأوضح أن "أول قرار استراتيجي كان تنويع مصادر السلاح. لم نعد نعتمد على دولة واحدة. اتجهنا إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وروسيا والصين. هذا التنويع يعطينا استقلالية قرار، ويمنع أي دولة من الضغط علينا بمنع قطع غيار".
واستعرض الصفقات النوعية: "حاملتا طائرات ميسترال، 4 غواصات ألمانية من أحدث طراز، فرقاطات ثقيلة من إيطاليا وإسبانيا، مقاتلات ميج 29 الروسية، طائرات مسيرة متطورة، ومدافع ذاتية الحركة كورية تم تصنيعها محليًا".
لكن الأهم، بحسب ونيس، هو "إنشاء قواعد عسكرية استراتيجية لم تكن موجودة من قبل. قاعدة محمد نجيب العسكرية في مطروح، وهي الأكبر في الشرق الأوسط، لتأمين الاتجاه الاستراتيجي الغربي. قاعدة 3 يوليو البحرية على البحر المتوسط. وقاعدة بالبحر الأحمر لتأمين الملاحة وقناة السويس. بهذا أصبحنا نؤمن الاتجاهات الأربعة للدولة المصرية".
أكد ونيس أن "شراء السلاح وحده لا يكفي". وقال: "كان لابد من تطوير المصانع الحربية التي توقفت منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر. وتولى اللواء الراحل العصار هذه المهمة، فطور المصانع بالكامل، وأدخلنا في صناعات جديدة".
وأضاف: "أطلقنا معارض عسكرية دولية في مصر لتسويق منتجنا. اليوم نحن نصدر مدرعات وذخائر ومعدات. هذا يحقق الجانب الاقتصادي والعسكري معًا، ويقلل فاتورة الاستيراد.
و عن ضبط الحدود، قال اللواء دكتور ونيس، ان هذا دور دائم لحرس الحدود و تقوم به دوما، ووضح حجم المجهود الضخم الذي تقوم به بالاشتراك مع كافه الاجهزه الامنيه خاصه في ظل عدم استقرار دول الجوار ليبيا والسودان.
وتابع: "مع انهيار الأوضاع هناك، ظهرت عصابات منظمة تستخدم 500 عربة دفع رباعي، ويعمل معها 10 آلاف مقاتل. هدفهم تهريب السلاح والمخدرات، وتهريب البشر، والبحث عن الذهب. بمعنى أدق، كنا أمام جيش كامل يعمل خارج الدولة".
وأكد أن "القوات المسلحة وقوات حرس الحدود تعاملت بحسم. تم ضبط الحدود بالكامل، دون أن نضطر للتدخل خارج أراضينا. هذه هي عقيدة الجيش المصري: نحمي حدودنا من داخلنا، ولا نكون طرفًا في صراعات الآخرين".
وعن سؤال حول تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، قال ونيس: "التأثير كان اقتصاديًا بحتًا، ولم يمس الأمن العسكري المصري".
وأوضح: "مضيق هرمز يمر منه 20% من تجارة البترول العالمية. عند غلقه، ارتفعت أسعار الشحن والتأمين، وتحولت بعض السفن إلى طرق أخرى. النتيجة المباشرة كانت تراجع إيرادات قناة السويس من 10 مليار دولار سنويًا إلى 6 مليار دولار.
لكن اللواء ونيس اعتبر ذلك "دليلًا على صحة الرؤية". وقال: "لو لم نكن قد بنينا شبكة طرق، وموانئ جديدة، ومشروعات قومية أخرى، لكان هذا التراجع كارثة. لكننا امتصصنا الصدمة، لأن لدينا مصادر دخل أخرى، ولأننا لسنا دولة قناة فقط".
وأكد: "عسكريًا، نحن بعيدون تمامًا عن مسرح العمليات. حدودنا مؤمنة، وجيشنا جاهز، ولا أحد يستطيع الاقتراب من مياهنا الإقليمية".
واختتم اللواء دكتور أحمد ونيس حديثه برسالة مباشرة: "التاريخ أثبت أن الدول التي ترفع شعار التقشف في السلاح والبناء وقت السلم، هي أول الدول التي تنهار وقت الحرب".
"انظروا حولنا. دول كانت تمتلك ثروات، لكنها أهملت الجيش والاقتصاد والعمران، فانهارت في شهور. مصر اختارت الطريق الصعب: البناء والإنفاق والتحديث، حتى لو كان الثمن ضغوطًا اقتصادية مؤقتة".
وقال: "اليوم نجني ثمار هذه الرؤية. لدينا اقتصاد صامد، وجيش من أقوى جيوش المنطقة، وحدود مؤمنة، ودور دبلوماسي محترم".
